الطبراني

127

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وأنشد نفطويه بعضهم : إنّ الكريم إذا تشاء خدعته * وترى اللّئيم مجرّبا لا يخدع قوله تعالى : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ؛ أي حدرهما من أعلى إلى أسفل ؛ لأنّ الخير عال والشّرّ سافل . وقال بعضهم : معناه : قرّبهما مما أراد من التّورية ؛ وهي التقريب مأخوذ من أدلى الدّلو ، ويقال : فلان يدلي فلانا بالغرور ؛ أي يخدعه بكلام زخرف باطل . وقال مقاتل : ( فدلّاهما بغرور ) أي زيّن لهما الباطل . فدلّاهما بغرور ؛ الغرور ما تقدّم ذكره بقوله لهما : ( ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) . وفي بعض الرّوايات : أنّ آدم عليه السّلام كان يقول وقت توبته : ما ظننت يا رب أنّ أحدا يجرأ فيحلف باسمك كاذبا . قوله تعالى : فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ؛ فيه دليل أنّهما لم يبالغا في الأكل ، ولكن لمّا وصل إلى جوفهما تهافت عنهما لباسهما ، وظهر لكلّ منهما عورة صاحبه فاستحيا ، وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ؛ أي عمدا فأخذا يلزقان عليهما من ورق التّين . والخصف : الإلزاق بعضه إلى بعض ، كما يعمل الخصّاف الذي يرقّع النّعل . ومعنى ( طفقا ) أخذا في العمل ، يقال : بات يفعل كذا إذا فعله ليلا ، وظلّ يفعل كذا إذا فعله نهارا ، وطفق يفعل كذا إذا فعل في أيّ وقت كان . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : [ إنّ آدم كان رجلا طوالا كأنّه نخلة سحوق كثير شعر الرّأس ، فلمّا وقع بالخطيئة بدت سوأته وكان لا يراها ، فانطلق هاربا في الجنّة ، فعرضت له شجرة من شجر الجنّة فحبسته بشعره ، قال لها : أرسليني ! فقالت : لست مرسلتك . فناداه ربّه : يا آدم ؛ أمنّي تفرّ ؟ قال : لا ، ولكن استحييت ] . « 1 »

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 11197 ) عن أبي بن كعب ، وهو اللفظ في الحديث ( 11201 ) بإسناد آخر .